محمد متولي الشعراوي

4384

تفسير الشعراوى

التي انجرفت إلى مادية صرفة وتركت الروحانيات ؛ لذلك تأتى سيرة أتباع محمد في التوراة : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ . حين أسرف اليهود في المادية أراد اللّه أن يأتي برسول يجنح ويميل إلى الروحانية وهو سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام . . ليحصل الاعتدال في تناول الحياة دون إفراط أو تفريط . إذن فالحق سبحانه وتعالى مهد لكل رسول بأن يبشر به الرسول السابق لأنه لا معاندات في الرسالات . ولما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو خاتم الموكب الرسالي ، كان ولا بد أن يصفه اللّه - سبحانه - وصفّا ليس بالكلام ، بل يصفه كصورة ، بحيث إذا رأوه يعرفونه ، ولذلك نجد سيدنا سلمان الفارسي حين رأى رسول اللّه في المدينة ورأى منه علامات كثيرة أحب أن يرى فيه علامة مادية ، فرأى في كتف الرسول خاتم النبوة . ولكن هل نفع ذلك ؟ نعم ، فكثير من الناس آمن به . وقد أقام رسول اللّه مناظرة بينه وبين اليهود بواسطة عبد اللّه بن سلام ، الذي قال بعد أن أسلم بين يدي رسول اللّه : « يا رسول اللّه إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامى قبل أن تسألهم بهتوني « 1 » عندك ، فجاءت اليهود ودخل عبد اللّه البيت ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : أي رجل فيكم عبد اللّه بن سلام ؟ قالوا : أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : أفرأيتم إن أسلم عبد اللّه ؟ قالوا : أعاذه اللّه من ذلك ؟ فخرج عبد اللّه إليهم ، فقال : أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه . فقالوا : شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه » « 2 » . إذن فالأوصاف الكلامية والأوصاف الشخصية المشخصة جاءت حتى لا يقال : إن أديان السماء تتعاند ، إنها كلها متكاتفة في أن تصل الأرض بالسماء على ما تقتضيه حالة العصر زمانا ومكانا . وقديما كان العالم معزولا عن بعضه ، وكل

--> ( 1 ) بهتوني : قالوا علىّ ما لم أفعل ، من البهت والبهتان وهو الباطل والكذب والافتراء . ( 2 ) من حديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الخلق - عن أنس - رضى اللّه عنه -